الشيخ محمد هادي معرفة

400

التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد )

وَقَوْمَها يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لا يَهْتَدُونَ . أَلَّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ ما تُخْفُونَ وَما تُعْلِنُونَ . اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ » . « 1 » وقوله : « أَ ذلِكَ خَيْرٌ نُزُلًا أَمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ » . « 2 » وهذا من بديع التخلّص ، فإنّه سبحانه خلص من وصف المخلصين وما أعدّ لهم إلى وصف الظالمين وما أعدّ لهم . قال : واعلم أنّه حيث قصد التخلّص فلابدّ من التوطئة له . ومن بديعه قوله تعالى : « نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ » « 3 » يشير إلى قصّة يوسف عليه السلام فوطّأ بهذه الجملة إلى ذكر القصّة ، يشير إليها بهذه النكتة من باب الوحي والرمز . وكقوله سبحانه موطّئا للتخلّص إلى ذكر مبتدأ خلق المسيح عليه السلام : « إِنَّ اللَّهَ اصْطَفى آدَمَ وَنُوحاً . . . الآية » . « 4 » قال ابن أبيالإصبع : ومن براعة التخلّص في الكتاب العزيز قوله تعالى : « إِنَّ اللَّهَ اصْطَفى آدَمَ وَنُوحاً وَآلَ إِبْراهِيمَ وَآلَ عِمْرانَ عَلَى الْعالَمِينَ » « 5 » فإنّه سبحانه وطّأ بها إلى سياقة خبر ميلاد المسيح عليه السلام ، فذكر اصطفاء آدم عليه السلام توطئة يخلص بها إلى ذكر وَلَدِه نوح عليه السلام ، وذكر اصطفاء نوح يتخلّص إلى ذكر وَلَده إبراهيم عليه السلام ، وذكر اصطفاء آل إبراهيم بعد ذكر آل نوح توطئة ليتخلّص بذكرهم إلى آل عمران من ولد إبراهيم ، وتخلّص بذكر آل عمران إلى ذكر امرأة عمران ، ليسوق قصّة حملها بمريم عليهماالسلام وكفالة زكريا عليه السلام لها ، وذكر وَلَده يحيى عليه السلام وقصّة حمل مريم بالمسيح عليهما السلام وما كان في ذلك من الآيات الباهرات ، وما آتاه اللّه تعالى من المعجزات . قال : فوقع في هذه الآية من التخلّصات البارعة التي أتت على أحسن ترتيب ، وأبين

--> ( 1 ) - النمل 23 : 27 - 26 . ( 2 ) - الصافّات 62 : 37 . ( 3 ) - يوسف 3 : 12 . ( 4 ) - آل عمران 33 : 3 . راجع : البرهان للزركشي ، ج 1 ، ص 43 - 45 . ( 5 ) - آل عمران 33 : 3 .